أحدثت التجارة الإلكترونية ثورة في السوق العالمية، لكنها أدخلت أيضاً تعقيدات قانونية كبيرة، لا سيما في مجال حماية الملكية الصناعية. فعندما يتم بيع سلع مقلدة عبر شبكة الإنترنت، تعد مسألة تحديد المحكمة المختصة مكانياً للفصل في النزاع واحدة من أكثر القضايا الأولية إثارة للجدل. وقد تدخلت محكمة النقض، بموجب الأمر رقم 30212 الصادر في 16 نوفمبر 2025، لتوضيح هذا الجانب الدقيق، حيث رفضت الطعن وحددت معايير دقيقة تتجاوز المعيار البسيط المتمثل في مكان التسليم المادي للبضاعة.
ينشأ النزاع، الذي كان طرفاه م. ب. و ب. د. ل.، عن الطعن في أنشطة تتعلق بالتقليد والمنافسة غير المشروعة عبر القنوات الرقمية. ويتمحور النقاش حول تطبيق المادة 120، الفقرة 6، من قانون الملكية الصناعية (المرسوم التشريعي رقم 30/2005)، بالتزامن مع المادة 20 من قانون الإجراءات المدنية والمادة 2598 من القانون المدني بشأن المنافسة غير المشروعة. ويعد تحديد مكان وقوع الفعل الضار (forum commissi delicti) هو جوهر القرار.
لفهم نطاق القرار بشكل كامل، من الضروري تحليل المبدأ الذي أقرته المحكمة في الأمر رقم 30212/2025:
في حالة بيع سلع مقلدة عبر موقع إلكتروني، ولغرض تحديد المحكمة المختصة مكانياً، فإن مكان ارتكاب الفعل، وفقاً للمادة 120، الفقرة 6، من قانون الملكية الصناعية، والمقصود به المكان الذي وقع فيه السلوك الضار، يجب تحديده في مقر المعلن الذي بدأ فيه العملية التقنية الموجهة لعرض الإعلان وإتمام عملية الشراء (بما في ذلك دفع المقابل المالي)، أو بدلاً من ذلك، في المكان الذي يقع فيه مقر الشركة التي تدير الموقع، وليس في المكان الذي تم فيه تسليم البضاعة فعلياً.
يستبعد هذا المبدأ بشكل قاطع أن يكون مكان التسليم المادي للبضائع المشتراة عبر الإنترنت أساساً للاختصاص القضائي المكاني للمحكمة. وعلى العكس من ذلك، تعزز المحكمة العليا السلوك غير المادي للمعلن أو مشغل المنصة الإلكترونية.
ترسم محكمة النقض مساراً دقيقاً لاختيار المحكمة المختصة، من خلال تحديد مكانين بديلين ومحددين بوضوح:
يأتي هذا التفسير في استمرارية تامة مع السوابق القضائية (مثل الأحكام رقم 35056 لعام 2021 ورقم 5309 لعام 2020)، مما يرسخ توجهاً يحمي اليقين القانوني في العصر الرقمي، ويتجنب تشتت الاختصاصات القضائية بناءً على أماكن شحن المنتجات الفردية.
يقدم الأمر رقم 30212/2025 الصادر عن محكمة النقض توضيحاً لا غنى عنه للشركات والمهنيين الذين يجدون أنفسهم مضطرين لحماية علاماتهم التجارية وبراءات اختراعهم عبر الإنترنت. فمن خلال استبعاد مكان تسليم السلعة المقلدة كمعيار للربط، تبسط المحكمة عملية تحديد المحكمة المختصة، وتربطها بعناصر ثابتة وسهلة التحديد مثل مقر المعلن أو مزود الخدمة. وبالنسبة لأصحاب حقوق الملكية الصناعية المتضررين، يعني هذا القدرة على التخطيط لإجراءات قانونية أكثر استهدافاً وفعالية، مما يقلل من مخاطر الدفوع بعدم الاختصاص المكاني التي قد تؤدي حتماً إلى إبطاء حماية حقوقهم.