لطالما مثلت تسوية الضرر المالي المستقبلي الناجم عن فقدان القدرة على الكسب أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام قضاة الموضوع. فمن خلال الحكم رقم 29054 الصادر في 3 نوفمبر 2025، تناولت الغرفة المدنية الثالثة في محكمة النقض قضية جوهرية: مدى قابلية تطبيق الجداول التي أعدها مرصد العدالة المدنية في محكمة ميلانو لرسملة الضرر المالي المستقبلي. ويوضح هذا الحكم حدود المادة 1226 من القانون المدني والفرق الجوهري بين تسوية الضرر البيولوجي وتسوية الضرر المالي.
تنشأ القضية من النزاع بين ل. ب. ور. ف.، والذي وصل إلى محكمة النقض بعد قرار محكمة الاستئناف في تورينو. ويتمحور النقاش حول طبيعة جداول ميلانو وقيمتها كمعيار للإنصاف التكميلي.
في حين أن جداول ميلانو معترف بها الآن كمعيار إنصاف مرجعي على المستوى الوطني لضمان توحيد المعاملة فيما يتعلق بالضرر غير المالي (البيولوجي)، لا يمكن قول الشيء نفسه عن الضرر المالي الناجم عن فقدان الدخل المستقبلي. ووفقاً لمحكمة النقض، فإن الاحتياجات الكامنة وراء هذين النوعين من الضرر مختلفة تماماً:
لفهم نطاق هذا القرار بشكل كامل، من الضروري تحليل المبدأ الرسمي الذي عبرت عنه المحكمة:
إن "الجدول" الذي أعده مرصد العدالة المدنية في محكمة ميلانو لتسوية الضرر المالي الناجم عن فقدان الدخل المستقبلي في شكل ريع، على عكس الجدول المتعلق بالضرر غير المالي، لا يجسد معيار الإنصاف المنصوص عليه في المادة 1226 من القانون المدني، لأن تحديد المعايير العلمية الصحيحة لاستخدامها في الرسملة لا يستند إلى حصر ممارسات التسوية السابقة، بل يتطلب سلسلة من التحقيقات الواقعية وتقييماً إنصافياً محدداً لظروف الحالة الملموسة التي قد تجعل من المناسب قانوناً، في حالات فردية، استخدام معايير مختلفة عن بعضها البعض، بخلاف ما يحدث في تسوية الضرر البيولوجي، الذي تسود فيه احتياجات توحيد المعاملة فيما يتعلق بقيمة الشخص البشري.
يوضح هذا المبدأ أن القاضي لا يمكنه الاكتفاء بتطبيق جداول ميلانو بشكل غير نقدي كما لو كانت معياراً إنصافياً موحداً وفقاً للمادة 1226 من القانون المدني. وعلى العكس من ذلك، تتطلب رسملة الدخل المستقبلي تحقيقات واقعية صارمة وتطبيق معايير رياضية اكتوارية مرنة، قابلة للتكيف مع خصوصيات الحالة الملموسة.
تسمح المادة 1226 من القانون المدني للقاضي بتسوية الضرر على أساس الإنصاف في حال تعذر إثبات قيمته الدقيقة. ومع ذلك، لا ينبغي أن تترجم العدالة إلى تعسف أو توحيد غير مبرر. في حالة فقدان الدخل المستقبلي، يجب أن يستند الحساب إلى بيانات علمية وديموغرافية دقيقة (مثل معدلات العائد وتوقعات العمر)، مع ترك الخيار للقاضي لاختيار طريقة الرسملة الأكثر ملاءمة للوضع المحدد للمتضرر، بدلاً من تقييده بممارسة جدولية مسبقة الصنع.
من خلال الحكم رقم 29054/2025، تؤكد محكمة النقض مجدداً على مركزية تخصيص الضرر المالي. وبالنسبة للمهنيين في القطاع القانوني، يمثل هذا الحكم تحذيراً من الاعتماد الأعمى على الآليات الجدولية، ويدعو إلى دعم مطالبات التعويض بأدلة واقعية قوية واستشارات فنية اكتوارية مستهدفة، مما يضمن تحقيق العدالة والإنصاف الحقيقي للمتضرر.