في التوازن الدقيق لعقود التأمين، ولا سيما تلك المتعلقة بالمسؤولية المهنية الطبية، يلعب مبدأ الشفافية دوراً جوهرياً. فالمؤمَّن له ملزم بتمثيل المخاطر التي سيغطيها المؤمن بصدق. ولكن ماذا يحدث إذا أغفل المؤمن له التصريح بظرف حاسم، مثل الوفاة المفاجئة لمريض حدثت قبل أيام قليلة من إبرام وثيقة التأمين؟ يتناول الأمر رقم 29456 الصادر في 7 نوفمبر 2025 عن محكمة النقض هذا السيناريو الدقيق، محدداً حدود التزام النزاهة التعاقدية.
يركز قرار المحكمة العليا على مفهوم "حسن النية المطلق" (uberrima bona fides)، وهو ركيزة من ركائز قانون التأمين. ووفقاً لقضاة الشرعية، لا يمكن للمؤمن تقييم المخاطر بشكل صحيح دون تعاون صادق من المتعاقد. ولا يعتمد هذا الواجب على بنود تعاقدية محددة، بل ينبع مباشرة من المادة 1892 من القانون المدني.
في هذه القضية، كان طبيب، تم تعريفه بالأحرف الأولى G. G.، قد أبرم وثيقة تأمين "مطالبات مقدمة" (claims made) بعد ثلاثة أيام فقط من الوفاة غير المتوقعة لمريضه، وهو حدث نُسب لاحقاً إلى إهماله الجسيم. وعلى الرغم من إدراكه لخطورة الواقعة، لم يذكر الطبيب هذا الأمر للمؤمن. كانت محكمة الاستئناف قد استبعدت في البداية أهمية هذا السلوك، لكن محكمة النقض نقضت ذلك القرار.
لفهم نطاق هذا القرار بالكامل، نقوم بتحليل المبدأ الذي عبر عنه القضاة:
فيما يتعلق بالتأمين ضد الأضرار، تعد المادة 1892 من القانون المدني تعبيراً عن المبدأ القائل بأن عقد التأمين يتطلب "حسن النية المطلق" من جانب المؤمن له، كونه الشخص الوحيد المطلع على الظروف التي تسمح للمؤمن بتقييم شدة المخاطر وتحديد القسط المقابل، مما يترتب عليه أن إحجامه الناجم عن خطأ جسيم لا يتم تداركه بغياب نص صريح في العقد على عبء محدد للكشف، لأن هذا الأخير ينبع مباشرة من القانون وهو غير قابل للتصرف، كونه مقرراً لضمان التوازن بين القسط والمخاطر، ليس لمصلحة المؤمن فحسب، بل لمصلحة مجموع المؤمن لهم.
يوضح هذا المبدأ أن التزام الكشف عن الظروف القادرة على التأثير في تقييم المخاطر (ما يسمى "عبء الكشف") لا يحتاج إلى اتفاق صريح في عقد التأمين. فهو حكم قانوني آمر يهدف إلى حماية التوازن التبادلي للعقد. إن إغفال معلومات حاسمة من قبل المؤمن له لا يضر بشركة التأمين فحسب، بل يقوض استدامة نظام التأمين بأكمله، القائم على مبدأ التكافل في المخاطر.
سلطت محكمة النقض الضوء على بعض الجوانب الحاسمة التي تستحق التلخيص:
يمثل الأمر رقم 29456/2025 تحذيراً مهماً لجميع المهنيين، لا سيما في القطاع الصحي. لا يمكن استخدام إبرام وثيقة التأمين كدرع للأحداث الضارة التي وقعت بالفعل أو التي يرجح وقوعها بشكل كبير والتي يكون الشخص على دراية كاملة بها. تظل النزاهة والصدق في المرحلة ما قبل التعاقد متطلبات لا غنى عنها لضمان صحة التغطية التأمينية وسلامة النشاط المهني.