في عالم الإجراءات الجنائية المعقد والحساس، تحتل شهادة المجني عليه مكانة ذات أهمية قصوى، وغالباً ما تشكل المصدر الرئيسي للإثبات. ولهذا، فإن موثوقيتها تخضع لتقييم دقيق وصارم من قبل القاضي. وفي هذا الموضوع المحوري، قدمت محكمة النقض، في الحكم رقم 32034، المودع بتاريخ 26 سبتمبر 2025، توضيحاً هاماً، محدداً حدود ما يمكن اعتباره "مواجهة فعلية" بين روايات الوقائع التي قدمها المتهم والمجني عليه.
المجني عليه هو شاهد مميز، ولكن يجب أن تخضع تصريحاته لفحص دقيق ونقدي. يجب على القاضي إجراء تقييم شامل، وفحص المصداقية الذاتية والموثوقية الموضوعية لتصريحاته. هذه العملية ضرورية لتكوين القناعة الحرة للقاضي، كما هو منصوص عليه في المادة 192 من قانون الإجراءات الجنائية.
تزداد التعقيدات عندما تختلف روايات الوقائع التي قدمها المجني عليه والمتهم. يُطلب من القاضي حل هذا التعارض. ولكن ماذا يعني "تعارض فعلي"؟ هل يكفي مجرد اعتراض من الدفاع، أم يلزم موقف شخصي من المتهم؟
بالضبط في هذه النقطة المحددة تتدخل المحكمة العليا، في القرار قيد النظر، بوضوح كبير. يتناول الحكم 32034/2025، الذي أعده المستشار أ. م. أ.، قضية متهم، ج. ب.، الذي طرح محاميه رواية للوقائع تتعارض مع رواية المجني عليه.
أرست محكمة النقض مبدأ أساسياً يعزز مركزية تصريحات المتهم المباشرة في عملية التقييم. لنرى الملخص كاملاً:
لأغراض تكوين القناعة الحرة للقاضي، يوجد تعارض فعلي بين الروايات التي قدمها المتهم والمجني عليه، والتي تخضع للتقييم القضائي أيضاً بغرض التحقق من موثوقية الأخير، فقط في حال كان المتهم شخصياً هو من قدم، في المراحل الإجرائية أو القضائية الخاصة به، إعادة بناء الوقائع المتعارضة، حيث لا يكفي، لهذا الغرض، مجرد طرح من قبل محاميه.
هذا المقطع ذو أهمية قصوى. تؤكد محكمة النقض أنه للحديث عن "تعارض فعلي" بين الروايات، وهو أمر مفيد للتشكيك في موثوقية المجني عليه، لا يكفي أن يطرح محامي المتهم رواية بديلة. من الضروري أن يكون المتهم نفسه هو من قدم هذه إعادة البناء المتعارضة، وأن يكون قد فعل ذلك شخصياً، في الأماكن والطرق التي ينص عليها القانون (على سبيل المثال، أثناء استجواب أو تصريحات طوعية). هذا التمييز حاسم: حجج المحامي هي تعبير عن الاستراتيجية الإجرائية، بينما تصريحات المتهم الشخصية هي تعبير عن إدراكه المباشر وإعادة بنائه للأحداث، والتي يمكن للقاضي أن يبني عليها تقييمه.
يقع هذا القرار ضمن مسار قضائي تم تحديده بالفعل، كما أشارت إليه الملخصات السابقة (رقم 42920 لسنة 2019 ورقم 20884 لسنة 2017). الآثار العملية مهمة:
هذا التوجه متسق مع مبدأ القناعة الحرة للقاضي، التي يجب أن تستند إلى عناصر ملموسة وقابلة للتحقق، وليس على مجرد افتراضات أو استراتيجيات إجرائية غير مدعومة برواية مباشرة للوقائع.
يمثل الحكم رقم 32034 لسنة 2025 الصادر عن محكمة النقض نقطة ثابتة في تقييم الأدلة الشهادية في الإجراءات الجنائية. يؤكد على أهمية شهادة المجني عليه ويوضح شروط التعارض الفعلي مع رواية المتهم. بالنسبة للمحامي، فإن فهم هذا التمييز أمر أساسي لوضع دفاع فعال. بالنسبة للمواطن، هو تأكيد على أن العدالة تتطلب التزاماً نشطاً وشفافاً في إعادة بناء الحقيقة، مع تقدير التصريحات المباشرة والشخصية مقارنة بالحجج الدفاعية المجردة.