القانون الجنائي هو مجال دائم التطور، حيث يجب أن تجد حماية الحقوق الأساسية وفعالية الإجراءات القضائية توازناً. أحد الإجراءات الاحترازية الشخصية الأكثر نقاشاً وتطبيقاً، خاصة في سياقات حساسة مثل العنف المنزلي أو المطاردة، هو حظر الاقتراب من الأماكن التي يرتادها المجني عليه، والذي ينظمه المادة 282-ter من قانون الإجراءات الجنائية. ولكن ما هي حدود هذا الإجراء، والأهم من ذلك، من له سلطة تحديد الأماكن المحظورة بدقة؟ قدمت محكمة النقض، في الحكم رقم 22386 لعام 2025، توضيحاً أساسياً، واضعةً حداً نهائياً لتفسير سلطات الشرطة القضائية في تنفيذ هذا القرار. دعونا نرى معاً تداعيات هذا الحكم الهام.
يهدف حظر الاقتراب، الذي تم إدخاله في نظامنا لتعزيز حماية ضحايا جرائم محددة، إلى منع المشتبه به أو المتهم من الاقتراب من أماكن معينة يرتادها المجني عليه بشكل معتاد، مثل مسكنه، مكان عمله، المدارس، أو أماكن أخرى للتواصل الاجتماعي. يهدف هذا الإجراء إلى منع تكرار السلوكيات المؤذية أو المضايقة، وضمان بيئة آمنة للضحية. يتم إصدار تطبيقه من قبل القاضي، الذي يقيم وجود أدلة قوية على الإدانة والحاجة إلى اتخاذ إجراءات احترازية، ويحدد في القرار الأماكن التي لا يجوز للشخص الاقتراب منها.
إنه ضمان للحضارة القانونية يهدف إلى كسر دوائر العنف والتخويف المفرغة. ومع ذلك، فإن فعالية هذا الإجراء تعتمد بشكل صارم على تطبيقه الصحيح واحترام مبادئ الشرعية والتحديد التي توجه نظامنا الجنائي، بدءاً من المادة 13 من الدستور التي تحمي الحرية الشخصية.
كانت المسألة الحاسمة التي تناولتها محكمة النقض في الحكم رقم 22386 لعام 2025 تتعلق تحديداً بنطاق تدخل الشرطة القضائية المكلفة بتنفيذ حظر الاقتراب. في كثير من الأحيان، تحدث مواقف في الممارسة العملية حيث يقدم ضباط الشرطة القضائية، في محاولة لجعل الإجراء أكثر فعالية أو لتوضيح حدوده، تعليمات إضافية أو مختلفة للمتلقي مقارنة بما حدده القاضي. ولكن هل هذا التصرف مشروع؟
فيما يتعلق بالإجراءات الاحترازية الشخصية، لا يجوز للشرطة القضائية، المكلفة بتنفيذ حظر الاقتراب من الأماكن التي يرتادها المجني عليه، أن تحدد للمتلقي أماكن مختلفة أو إضافية عن تلك المحددة في القرار الاحترازي، ولكن يجوز لها، إذا لزم الأمر، تحديد الموقع الجغرافي لهذه الأماكن. (في حيثيات الحكم، أوضحت المحكمة أن مثل هذه التعليمات غير العادية، التي لا تتعلق بالقرار الاحترازي، بل بتنفيذه، لا يمكن الاعتراض عليها من خلال الطعن بالاستئناف، بل فقط من خلال تقديم طلب إلى القاضي الذي أصدر الإجراء).
هذا المبدأ ذو أهمية قصوى. حددت المحكمة العليا بوضوح نطاق عمل الشرطة القضائية: لها دور تنفيذي، وليس تقديري فيما يتعلق بتحديد الأماكن. بعبارة أخرى، لا يمكن للشرطة القضائية توسيع نطاق حظر الاقتراب، ولا إضافة أماكن جديدة لم يتم تحديدها صراحة من قبل القاضي في القرار الاحترازي. تقتصر سلطة التحديد على "الموقع الجغرافي" للأماكن المحددة بالفعل، أي توضيح مكان وجودها بالضبط، دون تعديل أو زيادة عددها أو نوعها. هذا يعني، على سبيل المثال، أنه إذا منع القاضي الاقتراب من "مكان عمل" المجني عليه، فيمكن للشرطة القضائية تحديد العنوان الدقيق للمكتب، ولكن لا يمكنها إضافة "المقهى القريب من المنزل" إذا لم يتم ذكره في القرار.
المبدأ الأساسي هو الاحتفاظ بالتشريع والسلطة القضائية: فقط القاضي، بناءً على القانون (المادة 282-ter من قانون الإجراءات الجنائية)، يمكنه فرض قيود على الحرية الشخصية. الشرطة القضائية هي ذراع تنفيذي يجب أن يعمل في احترام القرارات القضائية، دون إدخال تعديلات من شأنها تغيير جوهر الإجراء الاحترازي.
الحكم رقم 22386 لعام 2025 لا يقتصر على تحديد حدود الشرطة القضائية، بل يقدم أيضاً توجيهاً قيماً بشأن سبل الانتصاف المتاحة في حالة وجود تعليمات تتجاوز الحدود. فقد أوضحت المحكمة أن هذه "التعليمات غير العادية"، لأنها تتعلق بتنفيذ القرار الاحترازي وليس بمضمونه، لا يمكن الاعتراض عليها من خلال الطعن بالاستئناف (المادة 309 من قانون الإجراءات الجنائية).
الاستئناف، في الواقع، هو الأداة الإجرائية الموجهة للاعتراض على شرعية وصحة الإجراء الاحترازي بحد ذاته، أي ما إذا كانت هناك أسس لإصداره. إذا كانت المشكلة تتعلق بالتنفيذ، أي تفسير أو تطبيق مشوه من قبل الشرطة القضائية، فإن الطريق الصحيح هو تقديم طلب مباشر إلى القاضي الذي أصدر الإجراء. يضمن هذا الآلية أن تكون السلطة القضائية دائماً، وهي حارسة الحقوق والضمانات، هي التي تحل القضايا المتعلقة بتنفيذ قراراتها الخاصة. إنه مبدأ الاتساق والتسلسل الهرمي للمصادر الذي يضمن الحماية الكاملة لحقوق المتهم.
لتلخيص النقاط الرئيسية لمن يجد نفسه في موقف مماثل، من المفيد تذكر ما يلي:
يمثل الحكم رقم 22386 لعام 2025 الصادر عن محكمة النقض لبنة مهمة في فسيفساء الضمانات الإجرائية والموضوعية. يؤكد على مبدأ أساسي في نظامنا: لا يمكن تقييد الحرية الشخصية إلا بالطرق والحالات المنصوص عليها في القانون وبقرار مسبب من السلطة القضائية. الشرطة القضائية، على الرغم من قيامها بدور أساسي، يجب أن تعمل ضمن الحدود التي وضعها القاضي، دون تجاوز مجالات اتخاذ القرار المحظورة عليها.
هذا الحكم هو بمثابة تحذير للعاملين في مجال القانون ودليل قيم لكل من يشارك في إجراءات تتضمن إجراءات احترازية شخصية. يضمن أن تنفيذ إجراء مثل حظر الاقتراب يتم دائماً في احترام القانون وصلاحيات القاضي، وبالتالي حماية فعالية حماية المجني عليه وحقوق المتهم أو المشتبه به الأساسية. إنه توازن دقيق، ولكنه لا غنى عنه لدولة القانون.