في المشهد الواسع والمعقد لقانون الأسواق المالية، لطالما مثّل الحد الفاصل بين حماية المدخرين والاستقلالية التعاقدية للأطراف المهنية ساحة لنقاش قضائي حيوي. ومؤخراً، عادت محكمة النقض العليا، بموجب الأمر رقم 29025 الصادر بتاريخ 03/11/2025، للبت في مسألة جوهرية: القيمة الإثباتية لإقرار "المستثمر المؤهل" المقدم من المستثمر إلى الوسيط المالي، وفقاً للمادة 31، الفقرة 2، من لائحة هيئة الرقابة على الشركات والبورصة (CONSOB) رقم 11522 لعام 1998.
يقدم الحكم محل النظر، الناشئ عن نزاع بين العميل (ف.)، الذي يمثله المحامي (ر. ن.)، ومؤسسة الائتمان (ب.)، رؤى هامة فيما يتعلق بتوزيع التزامات الإفصاح وعبء الإثبات في عقود الوساطة المالية.
تتعلق المسألة المركزية التي فصلت فيها المحكمة بآثار الإقرار الخطي الذي يشهد فيه المستثمر بصفته كمستثمر مؤهل. فهذه الصفة تقلل بشكل كبير من نطاق التزامات الإفصاح والسلوك المفروضة على الوسيط، على افتراض أن العميل يمتلك بالفعل كفاءة مالية كافية. ولكن إلى أي مدى يمكن للبنك أو الوسيط الاعتماد على هذا الإقرار؟
في عقود الوساطة المالية، يشكل الإقرار الخطي الصادر عن المستثمر، وفقاً للمادة 31، الفقرة 2، من لائحة CONSOB رقم 11522 لعام 1998، بكونه ينتمي إلى فئة المستثمر المؤهل، إقراراً بالواقع يتمتع بقيمة إثباتية، مما يعفي الوسيط من التزام إجراء تحقيقات إضافية من جانبه، ويقع على عاتق المستثمر عبء إثبات العناصر المخالفة التي تظهر من الوثائق الموجودة بالفعل بحوزة الوسيط.
كما يتضح جلياً من المبدأ المذكور أعلاه، تكيّف محكمة النقض شهادة العميل على أنها "إقرار بالواقع". وهذا يعني أن هذا الإجراء ليس مجرد شكلية تعاقدية، بل هو تمثيل للحقائق له قيمة إثباتية دقيقة أمام القضاء. ونتيجة لذلك، لا يلتزم الوسيط المالي بإجراء تحقيقات مستقلة أو التشكيك فيما صرح به العميل رسمياً كتابةً.
وبذلك، ينقل قرار المحكمة العليا توازن الإثبات لصالح الوسيط. فبمجرد تقديم الإقرار الخطي في الدعوى، يُفترض أن المستثمر كان بالفعل مستثمراً مؤهلاً. ويقع على عاتق الأخير، إذا أراد الطعن في هذه الصفة للمطالبة بالمسؤولية التعويضية للبنك، عبء تقديم دليل عكسي قوي.
ومع ذلك، لا يمكن أن يستند هذا الدليل إلى ادعاءات مجردة، بل يجب أن يشير إلى عناصر ملموسة وموثقة. وعلى وجه الخصوص، تحدد الاجتهادات القضائية الشروط التشغيلية التالية:
يأتي هذا التوجه متماشياً مع سوابق نفس الدائرة (مثل الحكم رقم 8343 لعام 2018)، مما يعزز مبدأ المسؤولية الذاتية للمستثمر. فمن يوقع على إقرار بالواقع يجب أن يكون واعياً بالتبعات القانونية المترتبة عليه.
ختاماً، يؤكد الأمر رقم 29025 لعام 2025 أن نظام حماية المدخرات لا يمكن أن يترجم إلى إعفاء مطلق للعميل من المسؤولية. إن التوقيع على نموذج يُقر فيه الشخص بصفته مستثمراً مؤهلاً يعفي الوسيط من إجراء تحقيقات إضافية، ما لم تكن الوثائق الموجودة بحوزته بالفعل تنفي هذه الصفة بشكل واضح. وبالنسبة للمستثمرين، الدرس واضح: أقصى درجات الحيطة والشفافية عند ملء النماذج المصرفية هي الأداة الأولى لحماية حقوقهم.