يحتفظ عالم العمل العام، على الرغم من خضوعه لعملية "خصخصة" في العديد من ديناميكياته، بخصائص غالباً ما تثير الشكوك والنزاعات. أحد أكثر القضايا إثارة للجدل يتعلق بالطبيعة القانونية لإعلانات المسابقات الداخلية وعواقب أي إخلال من قبل الجهة صاحبة العمل. في هذا الصدد، تدخلت محكمة النقض العليا بأمرها رقم 17047 بتاريخ 25 يونيو 2025، مقدمة توضيحاً أساسياً يستحق تحليلاً دقيقاً.
يُركز الحكم، الذي نتج عن الطعن المقدم من ل. س. ضد س. س. والذي تم فيه رفض قرار سابق لمحكمة استئناف باليرمو بتاريخ 18 مارس 2021، على تأهيل إعلان المسابقة الداخلية كـ "عرض للجمهور" حقيقي والآثار المترتبة على ذلك من حيث المسؤولية التعاقدية والحق في التعويض عن الضرر.
أكدت محكمة النقض، في القضية قيد النظر، مبدأً ذا أهمية كبيرة للعاملين في القطاع العام الخاص: إعلان المسابقة الداخلية، عندما يقدم خصائص معينة، ليس مجرد إعلان عن نوايا، بل يكتسب الصفة القانونية لـ "عرض للجمهور" بالمعنى المقصود في المادة 1336 من القانون المدني. ولكن ما هي العناصر التي تحول الإعلان إلى عرض ملزم؟
وفقاً لمحكمة النقض العليا، لكي يكتسب الإعلان هذه الطبيعة، يجب أن يحتوي على جميع العناصر الأساسية للمنصب الوظيفي المعروض. وتشمل هذه:
عند استيفاء هذه المتطلبات، يلتزم صاحب العمل العام بالوفاء بالالتزامات المتعهد بها، ويكتسب الفائز بالمسابقة في ذمته وضعاً قانونياً ذاتياً، وحقاً حقيقياً، لا يمكن للجهة التحلل منه إلا بالتراضي المتبادل أو لأسباب تسمح بها القانون صراحةً. هذا يعني أن الجهة لا يمكنها سحب العرض بشكل تعسفي أو عدم تخصيص المنصب للفائز.
عواقب أي إخلال من قبل صاحب العمل واضحة وهامة. تحدد محكمة النقض، بالإشارة إلى المادة 1218 من القانون المدني، أن الحق في التعويض عن الضرر، في هذه الظروف، له طبيعة تعاقدية. وهذا يعني أنه في حالة عدم تخصيص المنصب للفائز، يكون صاحب العمل ملزماً بتعويض الضرر الذي لحق بالعامل.
تعتبر الطبيعة التعاقدية للتعويض مهمة أيضاً لتحديد مدة التقادم. على عكس أشكال المسؤولية الأخرى، فإن الضرر الناجم عن الإخلال بعرض للجمهور يتقادم خلال المدة العادية وهي عشر سنوات. وهذا يمنح العامل فترة زمنية كبيرة للمطالبة بحقوقه قضائياً.
فيما يتعلق بالعمل العام الخاص، فإن نشر صاحب العمل لإعلان مسابقة داخلية لشغل وظائف مؤهل معين، يحتوي على جميع العناصر الأساسية (عدد الأماكن المتاحة، المؤهل، طرق المسابقة، معايير تقييم المؤهلات)، مع التنبؤ بحق الفائز في شغل المنصب المتاح والتاريخ الذي يبدأ فيه شغل المنصب قانونياً، يشكل عرضاً للجمهور، يلزم صاحب العمل بالوفاء بالالتزامات المتعهد بها ويكرس في ذمة المعني اكتساب وضع قانوني ذاتي، لا يمكن لصاحب العمل التحلل منه إلا بالتراضي المتبادل أو لأسباب يسمح بها القانون، مع ما يترتب على ذلك من حق في التعويض عن الضرر في حالة الإخلال، والذي، نظراً لطبيعته التعاقدية بموجب المادة 1218 من القانون المدني، يتقادم خلال المدة العادية وهي عشر سنوات.
هذه المقولة من محكمة النقض تجسد المبدأ. فهي توضح أن الإعلان، إذا كان مفصلاً وكاملاً، ليس مجرد دعوة لتقديم طلب، بل هو التزام حقيقي. بمجرد فوز المرشح بالمسابقة، يكتسب حقاً ذاتياً في المنصب. إذا لم يلتزم صاحب العمل بهذا الالتزام، فإن ذلك يشكل إخلالاً تعاقدياً، لا يختلف عن ذلك الذي قد يحدث في علاقة بين أفراد. هذا يعني أن العامل له الحق في طلب تعويض عن الأضرار التي لحقت به، وهذا الحق لا ينقضي إلا بعد عشر سنوات.
يمثل الأمر رقم 17047/2025 الصادر عن محكمة النقض نقطة ثابتة في الفقه القضائي المتعلق بالعمل العام الخاص. فهو يعزز حماية العمال الذين يشاركون في المسابقات الداخلية، ويضمن أن الإعلانات، إذا كانت منظمة بشكل جيد، ملزمة للإدارة. بالنسبة للجهات العامة، تؤكد المحكمة على أهمية صياغة الإعلانات بأقصى قدر من الدقة والوعي بالآثار القانونية، وتجنب الوعود غير القابلة للوفاء أو الصياغات الغامضة. أما بالنسبة للعمال، فهو تأكيد مهم على أن حقوقهم، بمجرد اكتسابها من خلال مسابقة منتظمة، محمية بالكامل وأنهم يمكنهم اتخاذ إجراءات للحصول على تعويض عن الضرر في حالة الانتهاك، مع مدة تقادم واسعة تسمح بتقييم كل خطوة قانونية بعناية.