في مشهد القانون الجنائي الحديث، يمثل دليل الحمض النووي أحد أقوى الأدوات الاستقصائية وأكثرها حساسية في آن واحد. إن قدرته على تحديد الأفراد بدرجة عالية من الدقة تجعله حاسماً في كثير من الأحيان في المحاكمات. ومع ذلك، فإن قوته المتأصلة تفرض أيضاً الالتزام الصارم بالإجراءات والبروتوكولات العلمية، وبدونها قد تتعرض موثوقيتها للخطر. وهذا هو بالضبط النقطة الحاسمة التي عبرت عنها محكمة النقض العليا في حكمها الأخير رقم 26031 الصادر في 15 يوليو 2025، مقدمة توضيحاً أساسياً لشروط صلاحية وتقييم التحقيقات الجينية.
القضية قيد النظر، والتي كان المتهم فيها هو س. ت.، تتعلق بتحقيقات جينية أجريت على أربطة تم العثور عليها في مسرح جريمة سرقة واستخدمت لتقييد الضحية. كانت المسألة الرئيسية المعروضة على القضاة هي قبول وقيمة الإثبات لمثل هذه التحليلات، في ضوء الانتهاكات المزعومة للبروتوكولات العلمية الدولية. دليل الحمض النووي هو ركيزة التحقيقات الحديثة، ولكن صلاحيته ليست مطلقة أبداً؛ فهي مرتبطة جوهرياً بصحة الإجراءات التي يتم بها الحصول عليه وحفظه وفحصه. يذكرنا الحكم المعني بأن حتى العلوم الأكثر تقدماً يجب أن تخضع لقواعد القانون، خاصة عندما تكون الحرية الشخصية على المحك.
فيما يتعلق بالتحقيقات الجينية، فإن تحليل الحمض النووي المقارن الذي تم إجراؤه في انتهاك للقواعد الإجرائية التي تحددها البروتوكولات العلمية الدولية بشأن جمع وحفظ المواد المراد فحصها، وكذلك تكرار التحليلات، يحرم النتائج التي توصل إليها من اليقين، وبالتالي لا يمكن منحها قيمة استدلالية، بل تشكل مجرد بيانات إجرائية، تفتقر إلى القدرة الإثباتية المستقلة وقابلة للتقييم فقط في سياق التأكيد المحتمل لعناصر إثبات أخرى. (حالة تتعلق بتحقيقات جينية على أربطة تم العثور عليها في مسرح جريمة سرقة واستخدمت لتقييد الضحية).
الخلاصة المستفادة من الحكم رقم 26031/2025 واضحة ومدوية للغاية. تؤكد محكمة النقض، برئاسة أ. ب. وبمستشار أ. م. د. س.، بشكل لا لبس فيه أنه إذا كان تحليل الحمض النووي لا يحترم "البروتوكولات العلمية الدولية" - التي تتعلق بـ "جمع وحفظ المواد المراد فحصها" و "تكرار التحليلات" - فإن نتائجه تُحرم من "اليقين". هذا يعني أنه لا يمكن اعتبار هذا الدليل دليلاً مستقلاً بعد الآن، بل يتقلص إلى "مجرد بيانات إجرائية"، بدون "قدرة إثباتية" خاصة به. من الناحية العملية، بدون احترام هذه الضمانات، يمكن للتحليل الجيني فقط "تأكيد" عناصر إثبات أخرى تم الحصول عليها بالفعل، ولا يمكن أن يشكل الأساس الوحيد أو الرئيسي للتهمة. هذا المبدأ بالغ الأهمية لحماية حقوق المتهم ولصحة الإجراءات الجنائية، ويستدعي الانتباه إلى المادة 192 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تلزم القاضي بتقييم الأدلة مع توضيح النتائج التي تم الحصول عليها والمعايير المعتمدة.
ولكن ما هي هذه "البروتوكولات العلمية الدولية" ولماذا هي مهمة جداً؟ إنها تمثل مجموعة من المبادئ التوجيهية والمعايير الفنية التي وضعتها المجتمع العلمي لضمان أقصى قدر من الموثوقية وقابلية تكرار التحليلات الجينية. تغطي هذه البروتوكولات كل مرحلة من مراحل التحقيق، من جمع العينة في مسرح الجريمة (الجمع)، إلى حفظها في ظروف تمنع تلوثها أو تدهورها، وصولاً إلى منهجيات التحليل وإمكانية تكرار الفحوصات للتحقق من دقتها. قد يؤدي انتهاكها إلى:
قامت محكمة النقض، بإلغاء قرار محكمة الحرية في روما وإحالته لإعادة النظر، بالتأكيد على أن صلاحية الدليل العلمي لا تُعطى فقط بطبيعته، بل بامتثاله للقواعد التي تضمن موضوعيته وقابليته للتحقق. تحليل الحمض النووي الذي يتم إجراؤه بشكل غير متوافق هو، في الواقع، تحليل "أعرج"، يفتقر إلى المتانة اللازمة لتأسيس إدانة.
التمييز بين "القيمة الاستدلالية" و "مجرد بيانات إجرائية" هو جوهر القرار. الاستدلال، وفقاً للمادة 192، الفقرة 2، من قانون الإجراءات الجنائية، يمكن أن يؤسس دليل المسؤولية فقط إذا كان "جسيمًا ودقيقًا ومتسقًا". إذا كان تحليل الحمض النووي لا يحترم البروتوكولات، فإنه يفقد "دقته" و "جسامته"، وينحدر إلى مجرد عنصر يحتاج إلى تدعيمه بأدلة قوية ومستقلة أخرى. لم يعد بإمكانه أن يكون "محرك" الاتهام، بل مجرد "راكب" يؤكد مساراً رسمته بالفعل عناصر أخرى. يعزز هذا القرار الحاجة إلى التدريب المستمر للعاملين في مجال القانون والفنيين الشرعيين، لضمان إجراء التحقيقات الجينية دائماً بالامتثال الكامل لأفضل الممارسات العلمية والضمانات الإجرائية. عندها فقط يمكن للعلم أن يكون حليفاً حقيقياً للعدالة، دون المساس بالمبادئ الأساسية لنظامنا.
يمثل الحكم رقم 26031 لعام 2025 الصادر عن محكمة النقض تذكيراً هاماً لجميع العاملين في مجال العدالة الجنائية. يؤكد مجدداً أن الدليل العلمي، مهما كان متقدماً، ليس معفياً من رقابة صارمة على تكوينه. الالتزام بالبروتوكولات العلمية الدولية ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو ضمان أساسي لليقين في النتائج وحماية الحقوق الأساسية. في عصر تتقدم فيه التكنولوجيا بخطوات عملاقة، من الضروري أن يحافظ القانون على مبادئ الموثوقية والشفافية والمواجهة، مع ضمان أن كل عنصر من عناصر الأدلة ليس قوياً فحسب، بل لا يمكن الطعن فيه أيضاً في أصله وتنفيذه.